محمد جمال الدين القاسمي

52

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها . فنزلت هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ . الآية . ورواه أبو داود والنسائيّ وغيرهم ، ولفظ أبي داود عن ابن عباس : أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته . فيعضلها حتى تموت ، أو ترد إليه صداقها : فأحكم اللّه عن ذلك . أي نهى عنه . قال السيوطيّ : ففيه أن الحر لا يتصور ملكه ولا دخوله تحت اليد . ولا يجري مجرى الأموال بوجه . و كَرْهاً ( بفتح الكاف وضمها ) قراءتان . أي حال كونهن كارهات لذلك ! أو مكرهات عليه . والتقييد ( بالكره ) لا يدل على الجواز عند عدمه . لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه . كما في قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] . وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ الخطاب للأزواج . كما عليه أكثر المفسرين . روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أن الآية في الرجل تكون له المرأة . وهو كاره لصحبتها . ولها عليه مهر . فيضرها لتفتدي به . والعضل الحبس والتضييق . أي : ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن . أي من الصداق . بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أي زنى . كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين . يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك ، وتخالعها . كما قال تعالى في سورة البقرة : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 229 ] . الآية . وروي عن ابن عباس أيضا وغيره : الفاحشة المبينة النشوز والعصيان . واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله : الزنى والعصيان والنشوز وبذاء اللسان وغير ذلك . يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ، ويفارقها . قال ابن كثير : وهذا جيد ، واللّه أعلم . قال أبو السعود : ( مبينة ) على صيغة الفاعل من ( بيّن ) بمعنى تبين وقرئ على صيغة المفعول . وعلى صيغة الفاعل من ( أبان ) بمعنى تبين أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة . ويعضده قراءة أبيّ : إلا أن يفحشن عليكم . انتهى . وفي ( الإكليل ) استدل قوم بقوله : بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ - على منع الخلق بأكثر مما أعطاها انتهى . ثم بين تعالى حق الصحبة مع الزوجات بقوله : وَعاشِرُوهُنَّ أي صاحبوهن بِالْمَعْرُوفِ أي بالإنصاف في الفعل والإجمال في القول حتى لا تكونوا سبب الزنى بتركهن . أو سبب النشوز أو سوء الخلق . فلا يحل لكم حينئذ .